أحمد بن محمد مسكويه الرازي
تصدير 12
الحكمة الخالدة ( جاويدان خرد )
التي لحقتها بزوال دولة كسرى يزدجرد ، آخر الملوك الساسانيين . وهنا وجدت الشعوبية مجالا للتفاخر واسع الرحاب ، ( أولا ) لأن الفرس منذ القدم معروفون بهذا النوع من الآداب ، فكان من اليسير اختراع الكثير منه ونسبته إلى كبار رجالهم ، دون أن يبدو في تلك النسبة استحالة صارخة ، فيما لو نسبوا إليهم مثلا فلسفات من نوع فلسفات يونان ، أو رياضيات وعلوما مما اشتهرت به يونان والهند . ( وثانيا ) لأنه لم يكن أمام الشعوبية ميدان آخر غيره في الحياة الروحية : فتمجيد الأديان الفارسية كان محرما عليهم بحكم غلبة الإسلام غلبة مطلقة أو شبه مطلقة ، فلا مجال لدين آخر إيرانى قديم ليعيش إلى جواره ، في صورة ظاهرة متحدية على الأقل ؛ ولم يؤثر من شعر إيران القديم ما كان يمكن أن ينافس الشعر العربي آنذاك - وإذن فلا مجال للشعوبية في ميدان الشعر ، وكان لها أن تنتظر قيام هذه السلسلة الرائعة من شعراء الفرس من الرودكى ونظامى والسعدي والفردوسي وحافظ الشيرازي وجلال الدين الرومي والعطار لكي تستطيع أن تقف مع الشعر العربي موقف المنافسة ، بل والغلبة والتفوق الظاهر . ولكن حينما قامت هذه السلسلة الممتازة واستحكمت حلقاتها كان السر في قيام حركة الشعوبية قد زال وانتفت العلة عنه . 2 - وثاني الملامح البارزة للروح الشرقية من خلال هذه المجموعة التي بين أيدينا هي ما صاحب هذا الطغيان السائد في الحكم في الدول الشرقية من صنائع يحتفلون له نفاقا ومداراة وطمعا في الجاه بأرخص الأثمان . فالاستبداد يصرع كثيرا من النفوس ، حتى ذوات الجوهر الخير منها ، فتضطرها ظروف الحياة إلى ألوان من الأخلاق الذليلة تتخذها لنفسها ابتغاء الظفر بالسلطان ، وإن داس على كرامتهم وإنسانيتهم . ذلك أنه في هذه البيئات تنشأ فكرة « النجاح في الحياة » بأية وسيلة ؛ ولما كانت القذارة لا تولد إلا القذارة ، فمن الطبيعي ألا يستطيع « النجاح » في مثل هذه البيئات إلا النفوس الدنسة التي لطخت أيديها بقذارة السعي الوضيع في حمأة المنافع الطاغية . ذلك أن « المثل الأعلى للسلوك في الحياة » يتبدل وفقا للظروف السائدة في البيئة ، وفي مثل هذه البيئات المستبدة لا « تنجح » إلا القامة المرنة التي تحسن الانحناء وتتقن فن طأطأة الرأس ،